متصرفية بغداد … البدايات/ الحلقة الثامنة

{ ناجي شوكت متصرف (محافظ ) بغداد مرتين } … القسم الثاني

( وصف مهم لبغداد السلام نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ) …

يذكر ناجي شوكت وصف مهم لبغداد السلام ببداية القرن العشرين ونورده كاملاً بتصرف لأهميته :

كانت بغداد في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين أشبه بالقرية الكبيرة منها إلى المدينة العصرية، وكان جانب الرصافة محاطاً بخندق من بقايا سورها القديم الذي آمر بهدمهِ الوالي مدحت باشا، وكان هذا السور يمتد من حوالى المستشفى الجمهوري وبهو أمانة العاصمة إلى الباب الشرقي، وكان فيها من النفوس نحو مئة آلف نسمة .
لم يكن في بغداد من الأطباء غير طبيب يوناني واحد يدعى ( يانقو ) يدور على بيوت المرضى راكباً على حمار له، وكان في المستشفى العسكري جراح واحد أسمه ( عرفان بك ) أما العلاجات فكانت تباع لدى العطارين إذ كانت في طول بغداد وعرضها صيدليتان فقط إحداهما في سوق الشورجة يمتلكها رجل يهودي، والثانية في الميدان وصاحبها مواطن أرمي أما الجراحة فكان يقوم بها الحلاقون والمجبرون من الأكراد الفيلية، وما زلت أتذكر أخي الدكتور صائب شوكت وكيف كسر ذراعه في حادث سقوط وكيف جبره رئيس حمالي الكمرك وهو رجل فيلي يدعى (شمه) بإتقان بعد أن أخفق الجراح العسكري عرفان بك في تجبيرة .
وكان المسؤول عن الأمن كله في بغداد مفوض واحد يدعى رفعت مع خمسة أفراد من الشرطة, وكان لكل محلة تشكيلاتها الخاصة، وتؤلف عادة من الأمام والمختار والهيئة المختارة، وللحق أقول إن الأمن في هذه المجلات كان يحافظ عليه بواسعة هولاء بكل دقة، وكانت هذه المحلات معروفة ومحددة فمنها محلة جديد حسن باشا، وتليها محلة الحيدرخانة، فالميدان فكان معظم موظفي الدولة يسكنون في هذه المحلات لقربها من دواوين الحكومة والقشلة العسكرية ثم يلي ذلك عقد النصارى، وهي المحلة التي كان يسكنها معظم نصارى بغداد وتقام فيها كنائسهم .
كان لليهود محلات خاصة بهم، وبمعابدهم كمحلة التوراة وعقد القشل كما كانت لهم مدرستان إبتدائية ومتوسطة يقال لهما (اليانس إسرائيل) أي مدرسة الإتحاد الإسرائيلي ، وقد فتحت للجعفرية مدرسة أهلية بعد إعلام الدستور العثماني في عام 1908م سميت ( مكتب الترقي الجعفري العثماني ) ومقرها في سوق الغزل .
كانت المواصلات بين بغداد والأعظمية تجري بواسطة العربات الخشبية أما بينها وبين الكاظمية فقد أمنتها شركة التراموي الأهلية المؤلفة سنة 1869م، وكانت العربات (الكاريات) التي تجري على السكة مؤلفة من طابقين تجرها الخيول، وقد بقيت مستعملة إلى عام 1947م حيث رفعت وحلت السيارات محلها بعد تعبيد الطرق وتزفيتها .
كان معظم سكان صوب الكرخ إن لم نقل كلهم من عرب عكيل ومن التكارتة والسوامرة، ولم يكن لهذا الصوب سور يحميه كما هو الحال في الرصافة، وكانت معظم علاوي الطعام ومخازن الأخشاب القوغ تقع في الكرخ، وكذلك مراسي الأكلاك الأتية من الموصل وسامراء والمحملة بالفواكة ولا سيما الرقي والبطيخ .
وكان السفر بين بغداد والبصرة والمدن القائمة على ضفتي دجلة يجري ببواخر شركة لنج المؤسسة عام 1840م كما إن البضائع الواردة من الهند والصادرة إلى خارج العراق كانت تنقل بواسطة هذه البواخر .
وكانت في بغداد قنصلية لكل من إنكلترا وفرنسا و روسيا والنمسا وإيران، وكانت تشكيلات الولاية عبارة عن الوالي يساعده معاون أو رئيس ديوان مع مدير معارف لشؤون المدارس ودفتردار للأمور المالية ومديريات للنفوس والطابو والأوقاف .
أما محاكم الولاية فكانت عبارة عن محاكم البداية والإستئناف والحقوق والشرع، وكانت بغداد مقراً لقيادة الجيش السادس وكان قادة هذا الجيش من بين قادة الجيش العثماني بدرجة مشير أو فريق .

( الصورة أعلاه لنهر دجلة ويظهر فيها مبنى القشلة )

وسوم :
مواضيع متعلقة